الحب الصادق
إذا غُرست شجرة المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بمشاعر الوجدان ، ولا يزال سعي المحب صاعدًا إلى حبيبه لا يحجُبُه دونه شيء ..
وعليها تفانى المحبُّون، وبروْح نسيهما ترّوح العابدون؛ فهي قُوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي مَن عدِمه حَلَّتْ بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام .
وإليكم يا أحبتي في الله بعض أنواع الحب : -

1- حب الله عز وجل :
إنها المحبة التي ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب. وقد قضى الله يوم قدَّر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة، أن المرء مع من أحب، فيالها من نعمة على المحبين سابغة !!
قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } [البقرة:165] .
قال تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [التوبة:24] .
2- حب الرسول صلى الله عليه وسلم :

جاء في الصحيحين عن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين “.
وفي الصحيحين أيضًا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا رسول الله ! والله لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي . فقال صلى الله عليه وسلم : ” لا يا عمر، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك ” . فقال : والله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي . فقال صلى الله عليه وسلم : ” الآن يا عمر ” .
ومعلوم أن محبة الرسول تابعة لمحبة الله عز وجل، فما الظن بمحبة الله عز وجل ؟!
3- حب الوالدين :
قال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } .
من روائع هذا الدين تمجيده للبر حتى صار يعرف به ، فحقا إن الإسلام دين البر الذي بلغ من شغفه به أن هون على أبنائه كل صعب في سبيل ارتقاء قمته العالية ، فصارت في رحابه أجسادهم كأنها في علو من الأرض وقلوبهم معلقة بالسماء، وأعظم البر ( بر الوالدين ) الذي لو استغرق المؤمن عمره كله في تحصيله لكان أفضل من جهاد النفل ، الأمر الذي أحرج أدعياء القيم والأخلاق في دول الغرب ، فجعلوا له يوما واحدا في العام يردون فيه بعض الجميل للأبوة المهملة ، بعدما أعياهم أن يكون من الفرد منهم بمنزلة الدم والنخاع كما عند المسلم الصادق ..
قال تعالى ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) ..
4- الحب في الله :
والمراد بالحب في الله أي لأجله وبسببه , لا لغرض آخر كميل أو إحسان ..
* قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أوثق عرى الإيمان : الموالاة في الله والمعاداة في الله ، والحب في الله والبغض في الله عز وجل ) .
* قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار ) .
5- حب الزوجين :
يستطيع الزوجان المتحابان في الله أن يبنيا حياة زوجية مستقرة تتغشاها السكينة وتسودها الألفة والمودة وتذوب في ظلالها الآمنة الخلافات الزوجية وينشأ أبناؤها متحابين، أسوياء بعيدًا عن كل أشكال الانحراف .
المشاعر الرقيقة الجياشة في القلب وحدها لا تكفي لنمو الحب بين الزوجين ولكن إظهار هذه المشاعر وإخراجها من حيز القلب إلى الرحاب الواسع هو المطلوب فالتعبير عن الحب بين الزوجين يكون بوسائل مادية ومعنوية ..
6- حب المسلمين :

فإن الحب هو من أسمى وأرقى العواطف الإنسانية، فإذا توجهت هذه العاطفة النبيلة لله تعالى، وكانت هي محور العلاقات بين المسلمين، ذللت كثيراً من الصعاب، وأثمرت كثيراً من الثمار الطيبة في حياة الأمة، ولقد جاءت أدلة عديدة تؤكد هذا المعنى الكريم، وتبين المكانة الرفيعة لمن أنعم الله به عليه من حقوق المسلم على المسلم : دلالته على الخير، وإعانته على الطاعة، وتحذيره من المعاصي والمنكرات، وردعه عن الظلم والعدوان، قال صلى الله عليه وسلم : ” لْيَنْصُرْ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ ” رواه مسلم ..
وتكتمل المحبة بين المؤمنين في صورة عجيبة ومحبة صادقة عندما يكونان متباعدين، وكل منهما يدعو للآخر بظهر الغيب في الحياة وبعد الممات، قال صلى الله عليه وسلم : ” دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك المُوكل به : آمين ولك بمثل ” رواه مسلم ..
تلتمس المعاذير لأخيك المسلم، والذب عن عرضه في المجالس، وعدم غيبته أو الاستهزاء به، وحفظ سره، والنصيحة له إذا استنصح لك، وعدم ترويعه وإيذائه بأي نوع من أنواع الأذى، قال صلى الله عليه وسلم : ” لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً ” .
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
تعليقات: مشاعر



موضوع رائع جداً جداً
كلامه رصين مشهود بشواهد قرآنية وأحاديث نبوية .
أخبرت الخبرمن جميع جوانبه , وضحت المسألة لكل حائر يحتاج للدليل , الحب أوسع أفقاً من السماء , غير أنهم حصروه بين قلبين لا رابطة بينهم إلا الحب الرخيص ..
شكراً لك
أختي الكريمة الراقية عقد الجمــــــــ أمل ـــــــــان ..
الحب الصادق .. أسمى وأرقى .. الحب قُوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون ومتعة الحياة ..
أمل .. بمروركِ تُشحن وترتفع الهمم .. فكوني قريبة ..
دمتي بحمى الرحمن ..
اخي الكريم يحيى
افضل انواع الحب هو الحب في الله فالمتحابين في الله على منابر من نور
يغبطهم عليها الصديقون والشهداء ..
الحب اساس الحياه وهو مصدر السعاده ..
لك الشكر يحيى ..ودمت بخير
أختي الفاضلة بوح القلم ..
صدقتِ إن من أفضل أنواع الحب .. الحب في الله عز وجل .. قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أوثق عرى الإيمان : الموالاة في الله والمعاداة في الله ، والحب في الله والبغض في الله عز وجل ) .
بوح القلم .. كوني قريبة .. فقربكِ تزدهر المدونة ..
دمتي بحمى الرحمن ..
أقسم أنه لا يوجد أعظم من حب الله ..
له لذة مختلفة و شوق يخفق له القلب ..
حتى و أنت في قمة الالم ..
أما عن بقية الاحاسيس فهي طاهره طالما لم تخرج عن النطاق ..
ف الحب شي سامي نقي ..
مختلف عن ذاك المنحصر بين سخافات العابثين ..
مقال راقي ..
أختي الكريمة المحبرة ..
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا حبه وحب من يحب ..
مشكورة على هذا المرور الكريم .. الذي أثلج صدري ..
كوني قريبة ..
الله عليك يــ آآبو يحيى
موضوع يبرد ع القلب والله ..”
فعلا : هذه هي لذة الحب .. في صدقه وصواب محله !
جزآك ربي آلف خير
أختي الكريمة المتفوقة سـآرهـ الحربي ..
الحب .. شيء عظيم لا تستمر ولا تحلو الحياة إلا به .. وأسمى وأرقى أنواع الحب حب الله عز وجل وما ذكرنا ..
سآرهـ .. كوني قريبة .. فبقربكِ تحلو وتزدهر المدونة ..
دمت في حمى الرحمن ..
اللهم إنا نسألك حبك وحب من أحبك
ـــــــــــ
أخى الفاضل: يحيى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحيي طرحك الطيب والمبارك والملئ بالنفحات الزكية العطرة
أحسنت الطرح والعرض .
بارك الله فيك وأعزك
أخوك
محمد
أخي الكريم محمد ..
حياكم الله وبياكم وسدد على طريق الحق خطاكم ..
لقد تشرفت بهذا المرور الكريم ..
دمت في حمى الرحمن ..
موضوع جميل جداً ،
والغوص في أعماقه حتماً سيخرجنا أسعد من في الأرض ()
،
شكراً لكَ أخي ..
أختي الكريمة فن ..
بالفعل الحب الصادق مفتاح السعادة والسرور في الدنيا والاخرة ..
فن .. لقد أشرقت المدونة بوجودكِ الرائع الذي يثلج الصدر ..
كوني قريبة ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة ..
الحب السامي المذكور في هذا المقال ألا وهو حب الله _ تبارك وتعالى _ يكاد يكون قليلاً في هذا العصر ..
فحب الهوى طغى على الحب الأسمى الذي ينبغي أن يتحلى به المرء .
كذلك حب الرسول _ عليه أفضل الصلاة والسلام _ يكاد يكون ادعاءً عند البعض فهناك هجر للسنةٍ بشكل كبير ؛ فإن إقتضاء محبته توجب طاعته والسير على نهجه ..
وحب الوالدين تراه جلياً لدى قلب الطفل البرئ يتسامى هذا الحب عبر ملامح وجهه البرئ ، ويوجد لدى بعض الشباب والفتيات ويندثر عند البعض ليوصل والديه إلى دار العجزة
ورأيت من المشاهد ماتبكي لها القلوب قبل العيون ..
والحب في الله يظهر في هذا الزمن مبروزاً بوجه الإعجاب المحرم لدى الكثير إلا من رحم الله ..
والحب بين الزوجين لاأنفي وجوده ولكن يوجد بشكل نسبي وجدت هذا الحب يندثر لدى الكثير بسبب الإنشغال في معترك الحياة وطغيان المادة في هذا الزمن ..
والحب بين المسلمين فلا أراه موجود إلا من رحم الله والدليل تفكك الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ..
أشكر لك طرحك أخي الفاضل يحيى ،والحب الذي تحدثت عنه ينبغي أن يكون موجوداً في حياتنا ولكن كنت أتحدث عنه ضمن إطار ماأراه في هذه الحياة ..
قد ترى في حديثي شيئاً من التشاؤم ولكني أتحدث ضمن مارأيت وسمعت في هذه الحياة ..
أشكرك على الطرح الرائع ..
دمت بكل خيرٍ وود ..
صبرالأيام ..
أختي الكريمة الراقية صبر الأيـــ لمياء ـــام ..
الواقع الذي نعيشه للأسف كله تشاؤم ونكد وهم ومحقت منه خصال الحب الصادق ..
فيا حبذا لو ترجع خصال الاخوة والحب الصادق بيننا كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ..
تعليقكِ هذا أثلج صدري .. فالتعليق يجس لنا نبض الواقع المرير ..
لمياء .. أسأل الله عز وجل أن يرزقني وإياكِ وجميع المسلمين حبهُ وحب من يحبه ..
كوني قريبة ..
جزاك الله خير على التدوينه
أختي الكريمة اقصوصه ..
لقد تشرفتُ بهذا المرور الكريم .. فجزاكِ الله كل خير ..
دمتي بحمى الرحمن ..
الحب الصادق هو محبة الله ورسوله والوالدين وحب الزوج
فالحب كيان يحيا ويموت مثل الانسان ..
لا بد أن نسقيه لنحييه ولا بد أن نداويه لنشفيه ..
..
بُوركت
أختي الكريمة المتألقة ماء السحاب ..
لقد صدقتِ بكل كلمة قلتيها .. فالحب الصادق هو كل شيء في حياة الانسان ..
أسأل الله عز وجل أن يُحيي الحب الصادق في قلوبنا أجمعين ..
كوني قريبة ..
المقال ينضح بالصفاء والنقاء والشفافية…
مقال جميل ورائع بكل ما تحمله الكلمة من معنى
بارك الله في قلمك أخي الطيّب
أكبر تحيــة
أختي الكريمة بحر العرب ..
المقال لا يزداد نقاءً إلا بوجود تعليقاتكم المفيدة المتألقة التي تنبثق من عقول واعية وذكية ..
دمتِ في حمى الرحمن ..